هالنى هذا الأسبوع خبر تفجير كنيسة القديسين بالأسكندرية وهو بلا شك حادث إجرامى معروف دوافعه مسبقا وهى ليست مستقاه من دين ولا فكر معتدل وإنما من حقد وكراهية شخصية وهدف واضح معروف لدى الجميع. وقد هزنى هذا الحادث لدى وقوعه للدرجة التى أثرت على وجدانيا ولا أزال أفكر فيه حتى لحظتنا الحالية. وقد تناقشت مع الكثير من المحيطين بى بشأن الموضوع والجميع أجمع على الجرم والإثم وغيرهما من المعانى. غير أن ما أستوقفنى هو تعليقات البعض الغير مكترثة للأمر كأن الأمر لا يعنيهم وعلى خلفية أن النصارى ذوى عقيدة فاسدة وأنهم ليس لهم حرمه. وهذا القول باطل لا محالة وصاحبه لا يعلم المقاصد العليا للشريعة الإسلامية ولا يعلم معاملات وتوصيات النبى صلى الله عليه وسلم معهم ولا يعلم سياسة المسلمين عامة مع أهل الكتاب ، لذا فقد رأيت أن أوضح الأمور حتى لا يختلط على الناس المفاهيم وما هى حدود الشريعة للتعامل مع هؤلاء.
أولا أهل الكتاب فى البلاد الإسلامية ، لهم ما للمسلمين وعليهم ما للمسلمين ويتحاكمون الى القاضى المسلم مثل المسلمين ولهم حق الجوار بالمعروف والقسط. ويكون التعامل معهم فى كل شىء من معاملات وتجارة وتعليم وغيرهم. لا فرق بين المسلم وغير المسلم فى هذه الناحية ، وهو ما يسمونه الأن بالمواطنة. وهو حق أصيل لهم فى كتاب الله وسنة رسوله. والتاريخ يشهد بذلك منذ وثيقة المدينة الأولى التى وضعها سيدى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصرح فيها بهذه الحقوق.
ثانيا يترتب على النقطة الأولى الدفاع عنهم ويتم بصورتين إما بدفع الجزية وهى جزء ضئيل جدا من المال للذكر البالغ القادر وهذا نظير الدفاع عنه فى حالة العدوان وإما بالصورة الحالية وهو إستخدامهم فى الخدمة العسكرية وبالتالى تنتفى الجزية. هذا يعنى فى كلا الحالتين أن الإعتداء عليهم هو إعتداء على كل البلد المسلم وهو ما يعنى بالضرورة أن يهب الناس جميعا للدفاع عن البلد إجمالا ضد أى عدوان. يؤكد هذا الإطار أيضا عندما دخل المسلمون الشام سابقا ولم يستطيعوا حماية أهل حلب فإنسحبوا إنسحابا تكتيكيا ، ولكن ما يعنيينا هنا هو أن المسلمين قد ردوا الجزية لعدم قدرتهم على الدفاع عن البلد ولو مرحليا.
ثالثا وصف أهل الكتاب بالكفر هو وصف فى كتاب الله بالفعل فى اكثر من موضع ، ولكن هذا الوصف هو للعقيدة وبيان العقيدة الصحيحة من الفاسدة وهو شىء خاص بالله سبحانه وتعالى. أما فيما يخص المعاملات وهو أمر خاص بدنيا الناس ، فقد حدد لنا ربنا سبحانه وتعالى حدود المعاملات مع أهل الكتاب وهى أن الله ينهانا من ولاية أهل الكتاب (أى إتخاذهم أصدقاء وحلفاء من دون المسلمين) وكذلك ينهانا عن الذين إتخذوا ديننا هزوا ولعبا أن نتولاهم. وعلى النقيض من هذا التوجيه الربانى ، يوجد توجيه ربانى أخر وهو خاص بأهل الكتاب المعاهدين الذين يسكنون الأرض الإسلامية وهو ما تم ذكره فى النقطة الأولى من التعامل فى جميع مجالات الحياة بالحسنى والقسط (أى العدل) حيث قال الله تعالى " لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم " وهو توجيه أرى أنه يمثل قمه فى التعامل الإنسانى العام من الأخر.
رابعا إذا شك أى مسلم فيما قلته فى النقاط السابقة ، فليقل لى ما الهدف من إستهداف المعاهد الأمن فى البلد المسلم؟هل يتوقع مثلا أن يؤمن الناس بعقيدة المسلمين الحق بنزع الأمان منهم وتفجير ممتلكاتهم؟ هل يتوقع مثلا أن يصبح الجميع مسلمين؟ فى الحقيقة هذه توقعات غير عملية ومخالفة لسنة الله فى الكون حيث صرح الله سبحانة وتعالى بهذه السنة حيث قال "ولا يزالون مختلفين" ولهذا أرى أنه لا يوجد أى هدف إلا عدم الإستقرار وإنعدام الأمان فى هذا البلد.
خامسا هل ينتشر الإسلام إلا بسماحته ورقى حضارته فى المعاملات؟ الذى لا يعرف التاريخ لا يستطيع أن يجاوب على هذا السؤال ولكن التاريخ كله يشهد كيف ينتشر الإسلام بسماحته وتعاملاته الحضارية وإحترام الأخرين وأخذهم باللين والحكمة لإستنقاذهم من النار وأخذهم الى رب العباد الواحد الأحد.
سادسا يجب أن يعلم الجميع أن المنطقة العربية والإسلامية الأن مستهدفة أكثر من أى وقت مضى لتفريق أهل المنطقة الى عرقيات متناحرة على اسس عرقية دينية وأمصار لا يعرف أهلها إلا الفرقة والتشتت وهذا الهدف يجب أن يكون واضحا لنا جميعا. لأن الذى يضرب هؤلاء المعاهدين أهل الكتاب هو فى الحقيقة يضرب البلد ذاته ولعل أحداث تفجيرات الكنائس فى بغداد ليست ببعيد عنا فى الفترة الماضية تحضيرا للمشهد للمزيد من الدمار والتشرزم.
رأيت أن اقول هذه الكلمة بصراحة حتى لا تختلط المفاهيم لدى إخوانى وتتضح الأولويات والسبل فى مواجهه الخوارج الجدد الذين لا ينفكون يكيدون للمسلمين السوء والضرر. فى النهاية أدعوا الله أن يحفظ بلادنا وبلاد المسلمين من كل سوء وأن يرد كيد الكائدين فى نحورهم ، إنه ولى ذلك والقادر عليه.