الأحد، 21 مارس 2010
فلسطين ما زالت حية
الجمعة، 19 مارس 2010
ثقافة الثبات على الحق
المتأمل فى أحوال إمتنا الأن يجد إختلافا كثيرا. فيكاد المرء لا يجد شخصان متفقان ولا دولتان متفقتان ولا حزبان متحدا الرؤية ولكن الجميع يعتد برأية ويعتقد أنه جازم لا محالة وأن رأية هو الصواب وأن غيره هو الخطأ. وفى هذا الأمر هلاك هذه الأمة لتركها الجماعة وإستأثارها دون الشورى ولا حول ولا قوه إلا بالله. إن المسلم عليه أن يلزم الجماعة حتى وإن علم أن رأى الجماعة مخالف له وحتى إن علم يقينا أن رأيه هو الصواب. فإن إعتزال الجماعة فيه من البلاء الكثير الذى يفوق إستخدام جميع مهارات ومصارد أفرادها فى حالة إجتماعهم على رأى واحد.
الملاحظ الأن هو وجود جماعات تجتمع على الباطل وأهل الحق غير متحدين على وجه واحد ، فأصبحت جماعات الباطل أكثر تأثيرا فى جموع الناس وإستأثارها بالقنوات الإعلامية المؤثرة فى أحوال الناس حتى أصبح المسلم فى حيرة من أمره ووصل الأمر بالبعض الى الشك فى ثوابت هذه العقيدة الغراء التى لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا خلفها وهى بلا شك المحجة البيضاء التى تركنا عليها رسول الله (صلى). جماعات الباطل هذه لا تألوا جهدا فى مهاجمة السنة النبوية الشريفة والصحابة الكرام حتى أصبحت تجاهر بإنكار وجود الله (سبحانه وتعالى عما يشركون) فما الواجب علينا تجاه اهل الباطل الذين يتميزون بالإتحاد والكثرة أحيانا والنفير أحيانا أخرى.
ما أراه واجبا على المسلم فى هذه الأحوال هو:
- تجنب التعرض للأفكار الهدامة ودعاة الباطل قدر الإمكان سواء بتجنب قراءة كتبهم ومطالعة مواقعهم على الإنترنت وغير ذلك من اساليب التعرض لهم
- وجوب مواجهتهم بالفكر المستنير لدى التعرض لهم وعدم تركهم يشوهون افكار ومعتقدات الأخرين
- توجيه أى ممن تعرفهم يكون قد تعرض لهم بالرأى الإسلامى الصحيح فى القضايا المختلفة وذلك للحد من تأثيرهم فى جموع الناس
- وجوب مكافحتهم وإستتابتهم بواسطة أولى الأمر
- تدريب المسلم نفسه على ثقافة الثبات
إن ثقافة الثبات هذه عظيمة الشأن وأعتبرها جدارا ناريا (بتعبير التقنية الحديثة) لدفع الفساد فى الإعتقاد. تخيل لو أن المسلمون الأوائل لم يثبتوا على الحق فى اى مرحلة من مراحل الدعوة؟ وهذا حدث بالفعل مع بعضهم فأزاغ الله قلوبهم فرجعوا للكفر وهم قد دخلوا به. بالتأكيد لو أن هذا حدث مع الكثير ، فإنه لم تكن هذه الدعوة تأتينا نقية. والحمد لله على ثبات الجميع من السابقون الأولون. ونحن ايضا يجب أن ندرب أنفسنا على ثقافة الثبات وأن نعرض كل ما نسمع وما نرى على كتاب الله وسنة رسوله (صلى) فإن كان حقا أخذنا به وإن كان باطلا تركناه ونبذناه. وإن الفتن الأن كثيرة كقطع الليل المظلم وإننا لابد من أن نعلم الحق من مصادره بالرجوع الى علماء المسلمين الموثوق فيهم فإن لم نجد فعليكم أنفسكم ولا يضركم من خذلكم حتى نقابل الله سبحانه وتعالى غير مفتونين ولا مبدلين.
أسأل الله تعالى أن يثبت على الحق قلوبنا والا يفتننا فى ديننا حتى نلقاه غير خذايا إنه ولى ذلك والقادر عليه.
الثلاثاء، 16 مارس 2010
القدس.. أرض الرباط والجهاد
القدس في الاعتقاد الإسلامي، لها مكانة دينية مرموقة، اتفق على ذلك المسلمون بجميع طوائفهم ومذاهبهم وتوجهاتهم، فهو إجماع الأمة كلها من أقصاها إلى أقصاها. ولا غرو أن يلتزم جميع المسلمين بوجوب الدفاع عن القدس، والغيرة عليها، والذود عن حماها، وحرماتها ومقدساتها، وبذل النفس والنفيس في سبيل حمايتها، ورد المعتدين عليها. وقد اختلف المسلمون، والعرب، والفلسطينيون في الموقف من قضية السلام مع إسرائيل، هل يجوز أو لا يجوز؟ وإن جاز، هل ينجح أو لا ينجح؟ ولكنهم جميعًا -مسلمين وعربًا وفلسطينيين- لم يختلفوا حول عروبة القدس وإسلاميتها، وضرورة بقائها عربية إسلامية، وفرضية مقاومة المحاولات الإسرائيلية المستميتة لتهويدها، وتغيير معالمها، ومسخ شخصيتها التاريخية، ومحو مظاهر العروبة والإسلام والمسيحية منها. فللقدس قدسية إسلامية مقدورة، وهي تمثل في حسِّ المسلمين ووعيهم الإسلامي: القبلة الأولى، وأرض الإسراء والمعراج، وثالث المدن المعظمة، وأرض النبوات والبركات، وأرض الرباط والجهاد كما سنبين ذلك فيما يلي:
القدس.. القبلة الأولى أول ما تمثله القدس في حس المسلمين وفي وعيهم وفكرهم الديني، أنها (القبلة الأولى) التي ظل رسول الله r وأصحابه يتوجهون إليها في صلاتهم منذ فرضت الصلاة ليلة الإسراء والمعراج في السنة العاشرة للبعثة المحمدية، أي قبل الهجرة بثلاث سنوات، وظلوا يصلون إليها في مكة، وبعد هجرتهم إلى المدينة، ستة عشر شهرًا، حتى نزل القرآن يأمرهم بالتوجه إلى الكعبة، أو المسجد الحرام، كما قال تعالى: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَه} [البقرة: 150]. وفي المدينة المنورة معلم أثري بارز يؤكد هذه القضية، وهو مسجد القبلتين، الذي صلى فيه المسلمون صلاة واحدة بعضها إلى القدس، وبعضها إلى مكة. وهو لا يزال قائمًا وقد جدد وتُعهد، وهو يزار إلى اليوم ويصلى فيه. وقد أثار اليهود في المدينة ضجة كبرى حول هذا التحول، ورد عليهم القرآن بأن الجهات كلها لله، وهو الذي يحدد أيها يكون القبلة لمن يصلي له، {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [البقرة: 142] إلى أن يقول: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: 143]. فقد قالوا: إن صلاة المسلمين تلك السنوات قد ضاعت وأهدرت؛ لأنها لم تكن إلى قبلة صحيحة، فقال الله: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} أي صلاتكم؛ لأنها كانت صلاة إلى قبلة صحيحة مرضية عنده. القدس أرض الإسراء والمعراج وثاني ما تمثله القدس في الوعي الإسلامي، أن الله تعالى جعلها منتهى رحلة الإسراء الأرضية، ومبتدأ رحلة المعراج السماوية، فقد شاءت إرادة الله أن تبدأ هذه الرحلة الأرضية المحمدية الليلية المباركة من مكة ومن المسجد الحرام، حيث يقيم الرسول r، وأن تنتهي عند المسجد الأقصى. ولم يكن هذا اعتباطًا ولا جزافًا، بل كان ذلك بتدبير إلهي ولحكمةٍ ربانية، وهي أن يلتقي خاتم الرسل والنبيين هناك بالرسل الكرام، ويصلي بهم إمامًا. وفي هذا إعلان عن انتقال القيادة الدينية للعالم من بني إسرائيل إلى أمة جديدة، ورسول جديد، وكتاب جديد: أمة عالمية، ورسول عالمي، وكتاب عالمي، كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]، {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان: 1]. لقد نص القرآن على مبتدأ هذه الرحلة ومنتهاها بجلاء في أول آية في السورة التي حملت اسم هذه الرحلة (سورة الإسراء)، فقال تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا} [الإسراء: 1]. والآية لم تصف المسجد الحرام بأي صفة مع ما له من بركات وأمجاد، ولكنها وصفت المسجد الأقصى بهذا الوصف {الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ}، وإذا كان ما حوله مباركًا، فمن باب أولى أن يكون هو مباركًا. وقصة الإسراء والمعراج حافلة بالرموز والدلالات التي توحي بأهمية هذا المكان المبارك، الذي ربط فيه جبريل البراق، الدابة العجيبة التي كانت وسيلة الانتقال من مكة إلى القدس، وقد ربطها بالصخرة حتى يعود من الرحلة الأخرى، التي بدأت من القدس أو المسجد الأقصى إلى السموات العُلا، إلى "سدرة المنتهى"، وقد أورث ذلك المسلمين من ذكريات الرحلة: الصخرة، وحائط البراق. لو لم تكن القدس مقصودة في هذه الرحلة، لأمكن العروج من مكة إلى السماء مباشرة، ولكن المرور بهذه المحطة القدسية أمر مقصود، كما دل على ذلك القرآن الكريم والأحاديث الشريفة. ومن ثمرات رحلة الإسراء: الربط بين مبتدأ الإسراء ومنتهاه، وبعبارة أخرى بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى، وهذا الربط له إيحاؤه وتأثيره في وعي الإنسان المسلم وضميره ووجدانه، بحيث لا تنفصل قدسية أحد المسجدين عن قدسية الآخر، ومن فرَّط في أحدهما أوشك أن يفرِّط في الآخر. القدس ثالث المدن المعظمة والقدس ثالث المدن المعظمة في الإسلام؛ فالمدينة الأولى في الإسلام هي مكة المكرمة، التي شرفها الله بالمسجد الحرام. والمدينة الثانية في الإسلام هي طيبة، أو المدينة المنورة، التي شرفها الله بالمسجد النبوي، والتي ضمت قبر الرسول (صلى). والمدينة الثالثة في الإسلام هي القدس أو بيت المقدس، والتي شرفها الله بالمسجد الأقصى، الذي بارك الله حوله. وفي هذا صحَّ الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري، عن النبي (صلى) أنه قال: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا". فالمساجد كلها متساوية في مثوبة من صلى فيها، ولا يجوز للمسلم أن يشد رحاله، بمعنى أن يعزم على السفر والارتحال للصلاة في أي مسجد كان، إلا للصلاة في هذه الثلاثة المتميزة. وقد جاء الحديث بصيغة الحصر، فلا يقاس عليها غيرها. وقد أعلن القرآن عن أهمية المسجد الأقصى وبركته، قبل بناء المسجد النبوي، وقبل الهجرة بسنوات، وقد جاءت الأحاديث النبوية تؤكد ما قرره القرآن، منها الحديث المذكور، والحديث الآخر: "الصلاة في المسجد الأقصى تعدل خمسمائة صلاة في غيره من المساجد، ما عدا المسجد الحرام، والمسجد النبوي" (متفق عليه). ومنها، ما رواه أبو ذر، أن النبي (صلى) سئل: أي المساجد بُني في الأرض أول؟ قال:"المسجد الحرام". قيل: ثم أي؟ قال: "المسجد الأقصى". والإسلام حين جعل المسجد الأقصى ثالث المسجدين العظيمين في الإسلام، وبالتالي أضاف القدس إلى المدينتين الإسلاميتين المعظمتين: مكة والمدينة، إنما أراد بذلك أن يقرر مبدأ مهمًّا من مبادئه، وهو أنه جاء ليبني لا ليهدم، وليتمم لا ليحطم؛ فالقدس كانت أرض النبوات، والمسلمون أولى الناس بأنبياء الله ورسله. القدس أرض النبوات والبركات والقدس جزء من أرض فلسطين، بل هي غرة جبينها، وواسطة عقدها، ولقد وصف الله هذه الأرض بالبركة في خمسة مواضع في كتابه. أوَّلها: في آية الإسراء حين وصف المسجد الأقصى بأنه {الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} [الإسراء: 1]. وثانيها: حين تحدث في قصة خليله إبراهيم، فقال: {وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 71]. وثالثها: في قصة موسى، حيث قال عن بني إسرائيل بعد إغراق فرعون وجنوده: {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا} [الأعراف: 137]. ورابعها: في قصة سليمان وما سخر الله له من ملك لا ينبغي لأحد من بعده، ومنه تسخير الريح، وذلك في قوله تعالى: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} [الأنبياء: 81]. وخامسها: في قصة سبأ، وكيف منَّ الله عليهم بالأمن والرغد، قال تعالى: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آَمِنِينَ} [سبأ: 18]. فهذه القرى التي بارك الله فيها هي قرى الشام وفلسطين. قال المفسر الآلوسي: المراد بالقرى التي بورك فيها: قرى الشام؛ لكثرة أشجارها وثمارها، والتوسعة على أهلها. وعن ابن عباس: هي قرى بيت المقدس. وقال ابن عطية: إن إجماع المفسرين عليه. وقد ذهب عدد من مفسري القرآن من علماء السلف والخلف في قوله تعالى:{وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ} [التين: 1-3]، إلى أن التين والزيتون يقصد بهما الأرض أو البلدة التي تنبت التين والزيتون، وهي بيت المقدس. قال ابن كثير: قال بعض الأئمة: هذه محالّ ثلاثة بعث الله من كل واحد منها نبيًّا مرسلاً من أولى العزم، أصحاب الشرائع الكبار؛ فالأول: محل التين والزيتون، وهو بيت المقدس، الذي بعث الله فيه عيسى بن مريم عليهما السلام. والثاني: طور سيناء، الذي كلم الله عليه موسى بن عمران. والثالث: مكة، وهو البلد الأمين الذي من دخله كان آمنًا. وبهذا التفسير أو التأويل، تتناغم وتنسجم هذه الأقسام، فإذا كان البلد الأمين يشير إلى منبت الإسلام رسالة محمد، وطور سينين يشير إلى منبت اليهودية رسالة موسى، فإن التين والزيتون يشير إلى رسالة عيسى، الذي نشأ في جوار بيت المقدس، وقدَّم موعظته الشهيرة في جبل الزيتون. أرض الرباط والجهاد القدس عند المسلمين هي أرض الرباط والجهاد؛ فقد كان حديث القرآن عن المسجد الأقصى، وحديث الرسول عن فضل الصلاة فيه، من المبشرات بأن القدس سيفتحها الإسلام، وستكون للمسلمين، وسيشدون الرحال إلى مسجدها، مصلين لله متعبدين. وقد فتحت القدس -التي كانت تسمى إيلياء- في عهد الخليفة الثاني في الإسلام عمر بن الخطاب، واشترط بطريركها الأكبر صفرونيوس ألاَّ يسلم مفاتيح المدينة إلا للخليفة نفسه، لا لأحدٍ من قواده، وقد جاء عمر من المدينة إلى القدس في رحلة تاريخية مثيرة، وتسلم مفاتيح المدينة، وعقد مع أهلها من النصارى معاهدة أو اتفاقية معروفة في التاريخ باسم "العهد العمري" أو "العهدة العمرية"، أمَّنهم فيها على معابدهم وعقائدهم وشعائرهم وأنفسهم وأموالهم، وشهد على هذه الوثيقة عدد من قادة المسلمين، أمثال: خالد بن الوليد، وعبد الرحمن بن عوف، وعمرو بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان. وقد أعلم الله نبيه محمدًا (صلى) بأن هذه الأرض المقدسة سيحتلها الأعداء، أو يهددونها بالغزو والاحتلال؛ ولهذا حرَّض أمته على الرباط فيها، والجهاد للدفاع عنها حتى لا تسقط في أيدي الأعداء، ولتحريرها إذا قدر لها أن تسقط في أيديهم. كما أخبر -عليه الصلاة والسلام- بالمعركة المرتقبة بين المسلمين واليهود، وأن النصر في النهاية سيكون للمسلمين عليهم، وأن كل شيء سيكون في صف المسلمين حتى الحجر والشجر، وأن كلاًّ منهما سينطق دالاًّ على أعدائهم، سواء كان نطقًا بلسان الحال أم بلسان المقال. وقد روى أبو أمامة الباهلي عن النبي (صلى) أنه قال: "لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من جابههم، إلا ما أصابهم من لأواء (أي أذى) حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك". قالوا: وأين هم يا رسول الله؟ قال: "ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس".
د. يوسف القرضاوي المصدر: موقع القرضاوي.
الأحد، 14 مارس 2010
الجهاد .......... طريق العزة
إذا ما ذكرت كلمة "الجهاد" اليوم ، فإن المتبادر الى الأذهان هى معانى الإرهاب وأن القائلين والعاملين بالجهاد هم إرهابيون بالضرورة وليس لهم من الدين إلا التشدد والعصبية ، فيا ترى هل هذا المفهوم هو الصحيح أم أن الأمر فى غاية الإختلاف عن ذلك؟!
يقول رسول الله (صلى) فيما معناه أن ذروة سنام الأمر (الإسلام) هو الجهاد فى سبيل الله. معنى وقوع هذه المهمه فى أعلى مكانه فى الدين الإسلامى هو لأنها بالفعل تتطلب درجة إيمانية ويقينيه عالية للغاية ولا يصل إليها العوام من المؤمنين. فدعنا نفكر كيف يمكن لإنسان لا يبغى إلا وجه الله (أى لا يريد شيئا من الدنيا) أن يقف فى وجه الموت بثبات وبسالة؟ لا يوجد تفسير لهذا الثبات إلا درجة عالية من اليقين والإيمان والتى تيرتب عليها إما الشهادة التى نعلم جميعا منزلتها أو الأجر العظيم فى الدنيا والأخرة. ويقول رسول الله (صلى) فيما معناه أنه ما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا (بضم الذال) وهو بالفعل نتاج طبيعى فى سنن الله فى أرضه ، فإن المتغطرسون لا يقيمون لله قائمة تردعهم عن البطش والظلم ، لذا لزم على ملة الإسلام إيجاد أليه لمواجهه الطغاه والمتجبرون حتى تنتشر رسالة الله فى الأرض. هذه الأليه لو إستعملها المسلمون لسادوا الأرض فى حين أن لهم ما يردعهم عن الظلم أيضا من عقائدهم وبذلك لا يطغون ولا يظلمون فى الأرض بغير الحق.
والجهاد له شروط من التنظيم والخروج بأمر ولى الأمر وإذا فقد أحدهما كانت الهلكة وتحكمت أهواء العباد فى الأمر الذى لا يفترض به التبعية للأهواء. وهذا يفسر كثيرا مما نراه ملصوقا بالجهاد والدين والدين منه براء. فليس الجهاد فى تفجير قنبلة فى مجمع للناس الأمنين لقتل ما تعرفهم ومالا تعرفهم. وليس الجهاد فى تخويف الناس لإجبارهم على عقيدة معينه ولا أمر خاص. إن الجهاد لهو فى مثل هذه الأمور والأحداث براء. والجهاد فرض كفاية إذا قام به البعض سقط على البعض الأخر وإن لم يقم به البعض اثم الجميع. وإذا حل الجهاد بأرض قوم لزمهم لزوم الجهاد حتى إذا أتى على كل من بهذه الأرض المسلمة لزم الجهاد الملاصقون لهذه الأرض من المسلمون. وهذه رؤية سامية للجهاد ، إذ لا يقبل المسلمون وجود العدو على أى شبر من أرضهم. وهذا أمر هام للغاية فى مفهوم الجهاد وهو مفهوم الأرض ، إذ أن أى أرض دخلها الإسلام فتحا أو صلحا أصبحت تحكم بالإسلام وعلى المسلمين الدفاع عنها حتى أخر رجل مسلم بالأرض. وهذا المفهوم لابد أن يظل حاضرا فى وجدان الأمة حتى لا تسقط الأولويات ولا تتناسى الأجيال الحقوق ، فمن منا الأن يفكر لمجرد التفكير أن الأندلس هى أرض مسلمة واجبة التحرير؟!! ...... لا أحد على الإطلاق بالطبع. ولكن هذا لا يجب أن يزيل هذا المفهوم الحيوى. نفس الأمر فى فلسطين الحبيبة التى نسأل الله أن يردها لديار الإسلام بعز عزيز أو بذل ذليل. إن مفهوم الجهاد يقول أن فلسطين أرض إسلامية لا جدال فى ذلك ولا شك ولا مراء والمسلمون لا يتفاوضون على أرضهم ولا يقبلون بها عدوا مهما تقادم الزمن وتعاهد المعاهدون وصمت الجبناء. فإذا ظل مفهوم الأرض هذا حاضرا فى أذهان الأمة ، فإنها بإذن الله مردودة إلينا ولكن على أكتاف الرجال وضمائر النساء الأبية التى لا تخاف فى الله لومة لائم ولا عدو جائر.
ولا يتبادر الى الأذهان أن الجهاد يتطلب أحزانا وفقدان للأهل والأحبة وغير ذلك من الإبتلاءات ، وهذا بالفعل ما يحدث ، فإذا فكرت فى هذا الأمر فدعنى أسألك عن نفس هذه الأحزان والألام بغير جهاد ، هل إختفت أو حتى على الأقل قلت؟! الإجابة هى لا وسوف تظل الألام والأحزان مستمرة على هذا النحو حتى ترجع للأمة عزتها ويرجعون الى الجهاد الحق الذى فيه القليل من الألام والكثير من أفراح العزة والتمكين.
أسأل الله العظيم يوقظ الأمة من غفلتها وأن يردها الى دينها ردا جميلا حسنا.
الأربعاء، 10 مارس 2010
الشيخ سلامة ......... وواقع الأمة المرير
لعل بعضنا يذكر الشيخ سلامة فى فيلم "واإسلاماه" والذى قام به القدير حسين رياض وهو الشيخ الذى هرب من غزو التتار من بلد الى بلد أخر بعد أن عذبه التتار وفى كل بلد يحذر الناس من غزو التتار وشرهم وأنهم قادمون لا محالة ، ويأخذ الناس فى الإستهزاء منه والسخرية على أنه مجنون أو على الأقل مبالغ ، حتى إستقر المقام به فى المحروسة مصر الكنانة ففعل فيها الناس كما فعل أقرانهم فى البلاد الأخرى فيأس الرجل من محاولاته الى أن أتى التتار بالفعل وغزوا بلاد العراق ثم الشام ثم أتى الدور على مصر وتمضى القصة (التى أغلبها حقيقة) على النحو الذى نعرفه جميعا.
كنت وأنا صغير أشاهد هذا الفيلم أسال نفسى سؤال ساذج وهو "ألم يكن فى هذا العصر الطريقة التى تتناقل بها الأخبار لدرجة أن شخص واحد يعلم المعلومة وهى غزو التتار فى حين أن جميع الناس يهزؤن منها؟ ألم يكن الناس يعلمون خبر غزو التتار لهم؟" فى الحقيقة قمت بإجابة نفسى بنفسى فى ذلك السن بأنهم لم يكن لديهم تليفونات أو جرائد مثلا لنقل الأخبار. وهذه إجابة ساذجة بالطبع ... ........
ألا أننى لما وصلت الى سنى الحالية وقمت بقراءة القصة كاملة للتتار وغزوهم وإجتياحهم للعالم الإسلامى ، عرفت وجه الحقيقة المرة. الحقيقة تتمثل فى أن الأمة كانت وقتها تعرف يقينا بأن التتار قادمون ولكن أحدا لم يجرؤ على الكلام وذلك لأن الأنظمة السياسية وقتئذ كانت فى غاية الوهن والضعف والفرقة والعمالة والموالاة لأعداء الدين وعلى الصعيد الإجتماعى كان الناس يعرفون يقينا بأنهم لا طاقة لهم بحرب التتار الذين لا يهزمون ويسومون الناس ألوانا من العذاب الذى لم تعرف البشرية له مثيلا منذ خلق الله البشر وحتى يومنا هذا !!
إن حال الأمة الإسلامية وقت التتار لا يختلف كثيرا عن حالة أمتنا فى وقتنا الحالى فى كثير من معطيات الصورة غير أن الأنظمة مختلفة والأسماء مختلفة والمعطيات مختلفة ولكن الأصل واحد وهو الركون الى الدنيا والهوان والرضى بالذل عن العزة تحت مسميات كثيرة كالسلبية والعمالة للغرب وضعف الإمكانيات وإختلاف الناس.فضلا عن أننا الأن نعرف يقينا بأننا لا طاقة لنا بحرب اليهود ولا الغرب فى عتادهم وتكنولوجياتهم. الأن وعلى مسمع من الجميع تنتهك الحرمات وتستباح الأعراض وتندنس المقدسات وتسيل الدماء ، ولا يجرؤ أحد على فعل الرجال. إذن المشكلة لم تكن فى وسائل التواصل بين الناس كما كنت أظن ساذجا وأنا صغير ، وإنما المشكلة تكمن فى الناس أنفسهم الذى يريدون ويتمنون مالا يعملون له ويرجون علوا ولا يسعون اليه. فحق علينا قول ربنا أن نكون فى أواخر الأمم.
ترى إذا قام قائم يحذر الناس غزو الغرب للعالم الإسلامى وعلى رأسة أمريكا ، فهل يصدقه أحد؟ أم يتعامل معه الناس على أنه الشيخ سلامة مجددا ؟! إن أمريكا قد فرضت سيطرتها على العالم بحق وبغير حق وأى قوة بدون رادع من ضميرها ومعتقداتها ، فسوف تسعى فى الأرض فسادا تحت أى مسمى وليكن الشرعية الدولية أو حقوق الإنسان أو بحثا عن أسلحة الدمار الشامل أو غير ذلك من الشعارات الرنانة. إن الغرب قد بدأ غزو العالم الإسلامى من أقصى شرقه ودخل على العرق – تماما كما فعل التتار- ويتحينون الفرصة فى اليمن ويسيطرون على مقدرات شعوب كثيرة أخرى تحت هذه الشعارات أو المصالح.
أعتقد أننى إذا قلت هذا ، فسوف أكون بالتأكيد الشيخ سلامة !!
اللهم هيىء لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ويذل فيه أهل معصيتك ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر.
الأحد، 7 مارس 2010
مفهوم الأمة فى الإسلام
يقول الحق سبحانة وتعالى فى كتابة العزيز " وإن هذه أمتكم أمة واحدة ، وأنا ربكم فأعبدون "
إن مفهوم الأمة الواحدة الأن يختلف كثيرا فى أذهان الناس ، فهو على أقصى تقدير وعلى أكبر إتساع يعنى القطر الذى يعيش فيه الناس ، مثلا مصر أو الأدرن أو ماشابههما من الأقطار. ويترتب على ذلك أمور كثيرة للغاية على جميع الأصعدة والمجالات. فيكون هناك تبعات سياسية وإقتصادية وإجتماعية وإعلامية ، وغيرها من المجالات. وهذا هو اقصى ما يفكر به أى شخص فى عالمنا المعاصر الذى ضرب فيه الجميع على أحوال الأمة وتحدياتها عرض الحائط وتوقفت فيها طموحات الناس على أحوالهم الشخصية فقط.
إن الأمة تمثل فى معناها الحقيقى القاسم المشترك بين الناس الذى يجمع بين الناس فى إطار مكانى أو زمنى معين ، وعليه فيمكننا أن نسمى التخيل السابق "أمة" على القطر الصغير ، ولكننا بذلك نخسر كثيرا من قدراتنا وتخيلاتنا للأمور والأحداث. فأنا أنظر مثلا الى أمتى على أنها التجمع البشرى الذى يجمعه الرابط المشترك وهو الإيمان بالله ويدين بدين الإسلام ، غير مكترثا بإختلاف الأقطار أو اللغات أو الثقافات فكلها عوامل تحترم للغاية ولكنها لا تؤثر على مفهومى للأمه. هب مثلا أن ضرر ما أصاب المسلمين فى اليابان مثلا ، فأنا أتفاعل معه كما لو كان هذا الضرر عندى فى بلدى وقطرى الصغير. ذلك سوف يكون نابعا من إحساسى بالأمة الواحدة وهو ما يسمى بوحدة التأثير.
وكما ترتب على المفهوم الضيق تبعات متخلفة ، فأيضا يترتب على هذا المفهوم الواسع تبعات أخرى. مثلا تخيل نظام وكيان سياسى واحد يجمع المسلمين من شتى بقاع العالم ، فأى تقدير سوف يكون لهذا الكيان من الكيانات الأخرى وأى عزة سوف تكون لهذا الكيان؟! تخيل لو أن للمسلمين من شتى بقاع العالم نظام إقتصادى واحد قادر على الأخذ بزمام المبادرة الى قيادة الأرض إقتصاديا ، أكنا نرى ركودا إقتصاديا أو سيطرة غير أخلاقية على مقدرات إقتصاد العالم؟! تخيل لو أن مفهوم هذه الأمة الجديد يتسع لحد ترى فيه جميع الثقافات والإتجاهات مرحبا بها لأنها تثرى الحياة.
سخر فكرك لحظات للإبحار فى أعماق الفكرة وابحر فى جوانبها ، وتعرف على جوانب الخير الذى من الممكن أن نشعر به جميعا بين طيات هذا المفهوم وهذا التخيل ، إنه والله لخير ما بعده خير ونعمه ما بعدها نعمه. ولا يظن أحدا أن هذا المفهوم بعيد ، فهو أت لا محالة بنص بشرى النبى (صلى) من عودة الخلافة مرة أخرى. ولا يظن أحدا أن الأنظمة القائمة لن تسمح بهذا ، فإن الأرض لله يورثها من يشاء وتاريخ البشر يثبت بما لا يدع مجالا للشك أن مقدرات الأرض تتغير بين حقبة لأخرى. فقط نريد الأن من الناس أن تعيش هذا الحلم الكبير "حلم الأمة الإسلامية الكبير"
إن جميع الكيانات الأخرى تتكتل وتتجمع لخدمة مصالح وأهداف معينه وغالبا ما تكون على حساب من هم خارج هذه الكيانات ، فحرى بنا نحن المسلمين أن نتكتل معا لخدمة مصالحنا وأهدافنا العليا فضلا عن كونه توجيها قرانيا أصيلا "ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم وإصبروا ...." وتشبيه نبوي عظيم " مثل المسلمين فى توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا تداعى منه عضو ، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى "