أعتقد عددا من أصدقائى مؤخرا أنى “متشائم بشأن الأحداث الجارية” وفى الحقيقة هذا أبعد ما يكون عن تعاملاتى العامة ولا أعتقد فى التشاؤم أصلا وأعتقد كل الإعتقاد فى “التفاؤل” لأنه ببساطة أحد علامات الإيمان بالله لأى مؤمن. لذا رأيت أن أبتعد بهذا المقال القصير عن السياسة وأحوال بلادنا الحبيبة وأحسست أنى أريد أن أكتب فى هذا الموضوع الهام فى هذه المرحلة الحرجة التى نمر بها.
لماذا التفاؤل مرتبط بالإيمان؟ ببساطة لأن المؤمن يعلم أن كل شىء يجرى بمقادير الله وقضاؤه سبحانه وأنه لا يخرج عن سلطانه شىء ولا يعجزه شىء. وحتى فى أحلك أوقات الكرب ، فإن المؤمن “يجب” عليه أن يتوقع الفرج طالما بسط يديه الى خالقها وأخذ بالأسباب ، فما عليه إلا إنتظار رحمه من ربه تثلج صدره وتزيل همه. لذا إذا اردت أن تستشعر كيف أن التفاؤل مرتبط بالإيمان لا محالة ، وإذا أحسست أن صدرك ثقيل بما فيه ، فعليك بسورة “يوسف” من كتاب الله ، ففيها الأزمات المتعاقبة الأزمة تلو الأزمة وبها الفرج تلو الفرج وبها النصر المؤزر فى نهاية القصة ، النصر الذى ربما من قرأ بدايتها للمرة الأولى لا يخطر بباله هذه النهاية العزيزة. هذه السورة الكريمة بها قول يعقوب عليه السلام “ يابني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون “ وفيها بيان واضح أن من ييئس من رَوح الله وكرمه فهو الى الكفر أقرب منه للإيمان. وإذا تأملت اللفظ “روح الله” ففيه من التلطف والأمل الكثير والإعتماد على المسبب الأساسى للأحداث ولكن له سبحانه فى هذه الأحداث حكمه ولطف يخفى على العباد أحيانا و يظهر لهم أحيانا أخرى.
وفى سياق مشابه أنظر فى قصة سيدنا إبراهيم كيف رد على الملائكة حين بشروه بغلام على كبر سنه هو أمرأته حين ظنوا أنه ربما قد قنط (أى يأس) من أن يرزق بولد صالح “ قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين * قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون” أنظر كيف رد الرد القاطع أنه بعيد كل البعد عن ظنهم لأن القنوط من رحمه الله هو من علامات ظلم العبد لنفسه وهو الضلال المبين لأنه ليس من مقتضيات الإيمان.
وأنظر أيضا كيف يسوق لنا القراءن بسورة “يس” قصة اصحاب القرية التى أرسل الله اليها ثلاثة من الرسل وهو يكذبونهم الواحد تلو الأخر ، فقالوا للرسل “ قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم * قالوا طائركم معكم أئن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون “ أنظر كيف تشائم القوم من الرسل المهديين !! وكيف إعتقدوا أنهم مصدر التشاؤم لديهم ، وهم فى الحقيقة مصدر التشاؤم لأنفسهم بعصانهم الرسل ورفضهم إتباع رسالة الله اليهم !! إن التشائم مرتبط بكل نقيصة وبكل إسراف وبكل كفر ، لذا فهو مرة أخرى ليس من مقتضيات الإيمان.
وفى العام ونصف الماضيين تعرضنا فى بلادنا الى محن وبلايا كثيرة ، وأظن أننا تعلمنا كثيرا وإستطعنا أن نفرق بين الناس وبعضهم وكيف أن التعامل مع الناس فى وقت الشدائد يختلف كثيرا عن التعامل معهم وقت الرخاء. وهذا أدعى الى التفاؤل حيث ينفرق الصف وتستقيم الخطوط ويفرق بين الحق والباطل وفى هذا نعمه كبيرة لمن يعيها. إن المتابع لتاريخ مصرنا الحبيبة ، يستطيع أن يعلم بثقة كيف أن هذه البلاد العظيمة تخرج من المحن أكثر قوة وعزما وأنها يوما ما لانت لأحد أراد تطويعها أو إزلالها وأنها محفوظة بحفظ الله ومعيته فهى كنانة الله فى أرضه وأنه ربما يكون الخير كل الخير فيما ألت اليه الأمور وما ستأول اليه لاحقا ، فلا تحزن على شىء فات وأعلم أن كل شىء عنده بأجل محتوم وقدر مقدور. فأقر عينك بقدر الله وتفائل فيما عنده ، واعلم أنه لكل ضيق مخرجا ولكل هم فرجا وأن مع العسر يسرا وتفائل بما لمصر من مستقبل مشرق أت لا محالة ، فقد بزغ فجر الأمل وتوشك شمس الرخاء أن تولد.
وأختم ببيتين من الشعر لا أنفك أذكرهما فى أى هم أو نازلة من النوازل:
كن عن همومك معرضا ، وكٍل الأمور الى القضا
وأبشر بخير عاجل ، تنسى به ما قد مضا
فلربما وسع المضيق وربما ضاق الفضا
ولرب أمر معضل ، لك فى عواقبه رضا
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق