الثلاثاء، 8 مارس 2011

سبل صلاح الدنيا ....... رؤية قديمة حديثة لما بعد الثورة



من أثمن ما سمعت فى هذه الفترة التى نحياها بمصر بعد الثورة البيضاء المباركة هو قول عظيم للإمام المواردى –رحمه الله- فى كتابه "أدب الدنيا والدين" هو أن صلاح الدنيا يتحقق بستة أشياء هى: دين متبع وسلطان قاهر و عدل شامل و أمن عام و خصب دائم و أمل فسيح.
هذا القول البليغ يطرح طرحا ربما كان مناسبا لعصرنا بالرغم من أنه مناسب لكل العصور فى مجمله ألا إننى أعتقد أن هذه الفترة الدقيقة فى مصر الحبيبة تدفعنا الى الإسترشاد بالمفاهيم السليمة للإصلاح خصوصا إذا أردنا أن نبنى وطنا قويا متحضرا يعتمد على سواعد إبناؤه وإخلاصهم. لذا فإن هذه الرؤية الشاملة هى قديمة صالحة لكل العصور و حديثة لأنه يجوز إسقاطها على وضعنا الراهن.
  1. العامل الأول من صلاح الدنيا يبدأ بالدين المتبع. لماذا؟ لأنه يصرف النفوس عن شهواتها، ويعطف القلوب عن إرادتها، حتى يصير قاهرا للسرائر، زاجرا للضمائر، رقيبا على النفوس فى خلواتها، نصوحا لها فى ملماتها. وهذه الأمور لا يمكن الوصول إليها بغير الدين، ولذلك كان الدين أقوى قاعدة فى صلاح الدنيا واستقامتها، وإحدى الأمور الأساسية نفعا فى انتظامها وسلامتها
  2. العامل الثانى هو السلطان قاهر. ويقصد بالسلطان هنا هو طريقة الحكم وليس الشخص الحاكم ذاته. لماذا؟ لأنه تتألف برهبته الأهواء المختلفة ، وتجتمع بهيبته القلوب المتفرقة، وتنكف بسطوته الأيدى الفاسدة ، ويقمع من خوفه النفوس المعادية التى ترهب الناس وتروعهم ، وهذا لأن فى طباع الناس من حب التعدى والمنافسة للأخرين ، ما لا يرتدعون عنه إلا بمانع قوي يتمثل فى هذا الحكم القاهر الذى يقدر على القلة الباغية من البشر وهو موجودون فى كل مكان وزمان ولا ينفع معهم العامل الأول.
  3. العامل الثالث هو العدل الشامل. لماذا؟ لأنه يدعو إلى الألفة، ويبعث على الطاعة، وتعمر به البلاد، وتنمو به الأموال، ويكثر معه النسل، ويأمن به السلطان. كما أن هذا العامل الهام يضع الإطار العام الذى يتجنب به السلطان قهر العباد ويتجنب به العباد ظلم بعضهم البعض فى الأمور العامة الحياتية التى تحكم حركاتهم.
  4. العامل الرابع هو الأمن العام. لماذا؟ لأنه تطمئن إليه النفوس، وتنتشر فيه الهمم، ويسكن فيه البريء، ويأنس به الضعيف، وهذه قرينة لما قبلها "أى العدل"، فالأمن كما يقول الماوردى من نتائج العدل. أن الأمن مقصد رئيسى من مقاصد الشريعة لأنه بإختفائه تضطرب حركات الناس للدرجة التى يمكن أن تتعطل إجمالا. فلا حركة بدون أمن. ولعلنا لمسنا ذلك بأم أعنيننا هذه الأيام.
  5. العامل الخامس هو الخصب الدائم. لماذا؟ هذا العامل يقصد به أحوال معيشة الناس فى المجتمع من المسكن الواسع وبلوغ حد الإكتفاء لجميع الناس وسهوله المعيشة فى جميع جوانبها. فالمسكن الواسع مثلا تتسع به النفوس والمعيشة الهنيه تقلل فى الناس الحسد، وتنفى عنهم التباغض وتكثر المؤاساة والتواصل، وذلك من أقوى الدواعى لصلاح الدنيا، وانتظام أحوالها. كما أن الخصب العام يؤدى إلى الغنى، والغنى يورث الأمانة والسخاء.
  6. العامل السادس هو الأمل الفسيح. لماذا؟ لأنه بالأمل الكبير يبلغ الإنسان طموحاته ومراده ويستطيع أن يواجه أزماته وكبواته. كما أن هذا العامل يجعل للأمة هدفا أو أهدافا كبيرة يتعلق بها الناس ويرون فى تحقيقها تحقيقا لذاتهم وبلوغا لأمالهم. فلا معنى لأمة بلا هدف جامع يدفعها الى المزيد من العمل والتقدم والرقى. ولا معنى لعدم سعى أى أمه الى المزيد والمزيد من العمل للوصول الى أهداف جديدة على مستوى الفرد والجماعة.
هذا الإستخلاص قصير للغاية بالمقارنة بالكتاب الأصلى للإمام المواردى ولكنه فى الحقيقة يمثل وقفه سريعة لمن يريد أن يستبصر فى أمور نهضة الأمة وكيفية بناؤها. أسأل الله أن يولى أمورنا خيارنا ولا يولى أمورنا شرارنا وأن يهدينا الى التى هى أقوم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق