إن الإحساس بالأمن والأمان لهو من أجل النعم التى ينعم الله بها على عباده ونعمه سبحانه لا تحصى. ولعل الكثيرين يعلمون أن للشريعة الإسلامية الغراء مقاصد خمسة هى حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال على الترتيب من حيث الأولوية. وتدور هذه المقاصد الخمسة فى فلك الأمن حيث أن حفظ أى منها يؤدى بالضرورة الى تحقيق الأمن. هذا الفلك الكبير (الأمن) يجب ألا يغيب عنا فى أى من حركاتنا وتصرفاتنا. وإسقاطا على موضوعنا وهو ثورة أهل مصر المباركة يجب علينا تحرى الأمن فيها حتى نستطيع تحقيق أهدافنا فى جو من الأمن والسكينة.
عاشت مصر أسبوعا مازلنا نعيشه فى يومنا هذا من أصعب الأسابيع التى مرت بجيل هذه الأمة الحديث الذى لم يعرف على مدار عمره أى نوع من الصعاب ولا التوترات وبالتالى أصبح هذا الموقف العصيب كمثل الجبال التى يصعب على العقول تخيلها ولا على الصدور تحملها. وسبب هذا هو إنعدام الأمان فى الأمة للدرجة التى دفعت الجميع الى حماية أهليهم وممتلكاتهم بأنفسهم كأننا فى حالة من الحرب تتطلب رفع درجة التأهب القصوى. فرأينا الشباب بالعصى والأسلحة البيضاء يحمون شوارعهم وبيوتهم ورأينا الرجال يحضرون كل وسائل الدفاع عن النفس تحسبا لأى طارىء نتيجة لإنعدام الأمن.
إن أى ثورة يجب أن تكون لها أهداف محددة إذا تحققت فيجب أن ترفع الثورة على الفور وذلك لإستتباب الأمن والنظام ودرأ للفوضى. ثورة شعب مصر هذه لم يكن لديها أهداف واضحة لعدم وجود عقل مدبر لها نظرا لكونها عفوية من الشعب ذاته ، وبالتالى فهى ثورة على أوضاع قائمة ضاق الناس بها ذرعا ولم يطيق العامة والخاصة تحملها أكثر من ذلك ، فثاروا على الفساد والظلم والبطالة والفقر وغيرها من الظروف التى نعلمها جميعا. وبما أن هذه الأهداف غير محددة كما يقول علم الإدارة فإن الوصول اليها غير محقق بل هو فى الحقيقة غير متأتى. عدم وضوح الهدف يؤدى الى عدم وضوح الطريق. غير أن ما حدث ولله الحمد أن النظام (الظالم) القائم خاف منها وأرتعد وتفككت أوصاله وأجهزته بوضوح وبدء فى تقديم تنازلات واضحة أغرت هذه الثورة بالتمادى فى مطالب غير واقعية نتيجة لعدم وضوح الهدف من البداية فبدأ التخبط وإختلاط الأصوات والمفاهيم ولم يعد أى شخص (بعد يوم الجمعة 28 يناير الماضى ) يعلم ماذا نريد وإلى ماذا نرمى.
يقول الإمام إبن تيمية رحمه الله " إن يوما فى الحكم الظالم خير من فوضى ساعة " وهو قول عميق للغاية إذ أن الإمام يعلم ما يمكن أن تؤول اليه أحوال الأمة فى حالة الفوضى ولو ساعة واحدة. فالفوضى أكثر شرا من الحاكم الظالم لأنها تثير الفتن وتؤلب الأحقاد وتنزع الى الفردية بدلا من الجماعية وتغرى العدو عليك ، فى حين أن الحاكم الظالم تأثيره محدود على شعبه وإن طال الزمن ولكن يكون الأمن عاما مستديما على الأمة وهو مقصد راقى من مقاصد الشريعة الإسلامية.
إن نظرية الأمن يجب أن تكون فى ذهن كل مصرى قام بهذه الثورة الكبيرة –وأنا منهم- لأنه بالأمن فقط نستطيع تحقيق تثبيت المكاسب التى حققناها وإن الفوضى لن تكون هى البيئة المناسبة لتثبيت المكاسب بل هى على العكس تماما سوف تنسف هذه المكاسب الكبيرة التى حققناها وبالتالى يجب أن يعود الأمن والإستقرار لهذه الأمة الكريمة على الفور. فى بيئة الأمن نستطيع أن نفكر ونستطيع أن نخطط لما هو أتى ونستطيع أن نعيد الإستقرار لعموم هذه الشعب الكبير الأصيل ونستطيع أن نحول هذا البلد الكبير من بلد من حكم الفرد الى حكم الجماعة. كل هذا فى بيئة الأمن وبيئة الأمن فقط وليس غيرها.
أسأل الله أن يديم علينا الأمن والأمان وأن يحفظ مصرنا الغالية من كل سوء وشر وأن يرد كيد الكائدين فى نحورهم ، إنه ولى ذلك والقادر عليه.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق